أولًا: مقدمة: تباين دولي في التصورات أثارته مبادرة

طرحت الهند أثناء اجتماع دول بريكس للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات اقتراحًا يدعو الأعضاء إلى دفع مشترك نحو وضع معايير عالمية عادلة للاتصالات، ومشاركة الإطار البرمجي مفتوح المصدر الخاص بالبنية التحتية الرقمية العامة لديها. وضربت الهند مثلًا بنظامي Aadhaar وDigiLocker، مشددةً على أن هذه الأنظمة وَلّدت أكثر من 1.4 مليار هوية رقمية، وبإمكانها مساعدة الاقتصادات النامية على تقليل الاعتماد على البرمجيات التجارية الاحتكارية، وتقليل العوائق أمام التنمية.

غير أن هذه المبادرة قد يُنظر إليها عالميًا عبر أطر متعارضة تمامًا؛ إذ يرى بعض المراقبين فيها مسعى من الأسواق الناشئة إلى تنويع المعايير، ويرى آخرون أنها جزء من منافسة جيوسياسية رقمية، في حين تستشهد بعض وسائل الإعلام بمخاطر الخصوصية والمراقبة للتشكيك في مشروعية تصدير النموذج الهندي.

لماذا يصعب التوصل إلى فهم متقارب لمبادرة واحدة في السياسة العامة لدى جماهير دولية مختلفة؟ وهل يكمن خلف ذلك ثغرة هيكلية في آليات التواصل الحكومي؟ هذا ما يستحق تحليلًا متعمقًا.

ثانيًا: لماذا أصبح التواصل الحكومي بالغ الأهمية؟

تجعل العولمة حدود تأثير السياسات العامة لأي دولة غير واضحة. إن البنية التحتية الرقمية، ومعايير الاتصالات، وأطر حوكمة البيانات، عابرةٌ للحدود بطبيعتها؛ فقد تتعامل معها الدول الأخرى بوصفها تجارب مؤسسية ومراجع تقنية، وقد تعتبرها تحديات استراتيجية. وفي الوقت نفسه، تتعدد مسارات وصول الجماهير الدولية إلى المعلومات بشكل كبير، غير أن القدرة على التحكم في السرد الرسمي تراجعت انحدارًا ملحوظًا.

في ضوء ذلك، لم تعد أهمية التواصل الحكومي تتجلى في «حجم المعلومات الصادرة» أو «مدى الوصول الإعلامي»، بل في قدرته التفسيرية: هل تستطيع الحكومة أن تشرح بوضوح السياقات التاريخية والظروف المؤسسية والتفاصيل التنفيذية الكامنة خلف قراراتها؟ وهل تستطيع تمكين الجماهير من خلفيات ثقافية مختلفة من دخول سياق الفهم قبل تكوين أحكامها؟

وبالنسبة إلى كثير من المؤسسات العامة، ليس ثمن فشل التواصل أمرًا نظريًا: إذ تُساء فهم السياسات، وتُوصَم المشاريع بالعار، ويترقب المستثمرون، وتجد المفاوضات الدولية صعوبة في التركيز على القضايا التقنية الجوهرية.

ثالثًا: آلية تشكّل الفهم الدولي: من النظام البيئي للمعلومات إلى الثقة

لنقاش التواصل الحكومي، ينبغي أولًا وضع تعريف واضح.

التواصل الحكومي (Government Communication) هو العملية التي تقوم بها الحكومة أو المؤسسات العامة، عبر تواصل معلوماتي منهجي، بتمكين الجمهور وأصحاب المصلحة الدوليين من فهم السياسات والإجراءات والقيم العامة. يؤكد هذا التعريف على «الفهم» لا «الإخبار»، لأن الإخبار وحده لا يضمن تحويل المعلومات إلى إدراك صحيح.

في البيئة الحقيقية للتواصل العابر للحدود، لا يتشكل الفهم في خط مستقيم. إذ تنتشر المعلومات العامة إلى الخارج عبر نظام بيئي معقد: تأخذ وسائل الإعلام الدولية البيانات الرسمية وتنشرها، ويقوم خبراء القطاع بتفسيرها، وتُتداول في وسائل التواصل الاجتماعي، وتقارنها المكاتب الاستشارية، ثم تُرسل تقارير التحقق من طرف ثالث إلى مختلف الدوائر. وكثيرًا ما تمتلك هذه الشبكة متعددة المستويات قدرة إقناع أكبر من القنوات الرسمية نفسها.

ويمكن فهم مسار فهم أصحاب المصلحة الدوليين على النحو الآتي:

رؤية السياسة ← البحث عن الخلفية ← مقارنة المعلومات ← الرجوع إلى تحقق من طرف ثالث ← تكوين الحكم.إذا غابت أي حلقة من هذه الحلقات، فقد يتجاوز الجمهور مرحلة التحقق ويعتمد مباشرةً على استنتاجاته المستمدة من تجربته الخاصة.

وهذا يُفضي إلى إطارٍ يمكن استخدامه في التحليل:

Public Understanding Framework (إطار الفهم العام)

معلومة ← سياق ← تفسير ← تحقق من طرفٍ ثالث ← ثقة ← إدراك

عندما يقتصر المحتوى الرسمي على إبراز المعلومة بحد ذاتها دون تقديم سياقٍ وتفسيرٍ كافيين، يصبح من العسير أن تتقدم الحلقات اللاحقة. في مبادرة الهند «للبنية التحتية الرقمية العامة»، فإن أكثر ما يُهمَل هو جانب «السياق» تحديدًا؛ مثل: كيف يعمل هذا النظام داخل البنية الحوكمية الهندية المعقدة؟ وما هي ضماناته القانونية وإجراءاته لحماية الخصوصية الشخصية؟ وهل تتوافق معاييره التقنية مع المعايير الدولية القائمة للاتصالات؟

ومتى افتُقدت هذه السياقات، يعمد الجمهور الخارجي إلى ملء الفراغات بقوالب تجربته الخاصة. وفي هذه الحالة، كثيرًا ما نرى فخًّا نموذجيًا في التواصل الدولي: يتجه تفسير الخارج بعيدًا عن نية السياسة الأصلية، بل وقد يصل إلى حدّ التعارض معها.

ويمكن تسمية هذه الظاهرة بـ:

Context Gap Effect (تأثير فجوة السياق): عندما يفتقر الجمهور الخارجي إلى تفسيرٍ سياقيٍّ حول معلومة عامة، يعوّض ذلك بأنماط الإدراك المحلية لديه، مما يؤدي إلى تشويه المعلومة أثناء عملية تحويل المعنى.

رابعًا: الأخطاء الشائعة في التواصل الحكومي: خمسة عيوب هيكلية

من المبادرة الهندية وردود الفعل الدولية تجاهها، يمكن استخلاص خمسة أخطاء شائعة ترتكبها المؤسسات العامة في التواصل عبر الحدود.

الخطأ الأول: نشر المعلومات دون شرح السياق

عندما اقترحت الهند نموذج «Aadhaar» في اجتماع البريكس، لم تشرح في الوقت ذاته للجمهور الدولي كيف يستند هذا النظام إلى البنية السياسية دون الوطنية المعقدة في الهند، وكيف حلّ مشكلة مئات الملايين الذين كانوا في السابق عاجزين عن الحصول على هوية قانونية. فالأرقام «الناجحة» بلا سياق ليست سوى رموزٍ مجرّدة من الخبرة، ويصعب أن تساعد الدول الأخرى حقًّا على فهم سبب فعالية السياسة.

الخطأ الثاني: ترجمة النصوص إلى لغات الدول الأخرى مباشرةً دون تكييف ثقافي

مصطلح «البنية التحتية الرقمية العامة مفتوحة المصدر» محايد في سياق التعاون التقني، لكنه حين يدخل إلى دولٍ ذات تقاليد مختلفة فيما يخص سيادة البيانات، قد يُفهَم على نطاق واسع بوصفه حلًّا تقنيًّا تتحكم فيه الدولة. تحويل اللغة أمر سهل، أما تحويل المعنى فصعب. فالكلمة نفسها قد يقرؤها أصحاب المصلحة في دول مختلفة انطلاقًا من تجارب مؤسسية مختلفة، فتتولّد عنها ارتباطات جديدة.

الخطأ الثالث: الإفراط في إبراز ميزة الحجم في بُعدٍ واحد

صحيح أن تسجيل أكثر من مليار شخص يُعد إنجازًا من حيث الحجم، لكنه يفتقر، في إطار الاستقصاء الذي يتبنّاه كثير من الجماهير الدولية، إلى تفاصيل مثل حماية الخصوصية، وآليات الخروج، والكفاءة الرقمية للفئات الضعيفة. فإذا ركّز التواصل على مؤشر واحد فقط، فإن ذلك يضيّق أبعاد التقييم لدى الجمهور، ويجعل الأسئلة التي كان ينبغي الرد عليها تُهمَل، بحيث يُلغى العائد الاتصالي بخصم الثقة.

الخطأ الرابع: اعتبار المؤتمر الدولي الواحد حدثًا تواصليًا دون تصميم حوارٍ طويل الأمديمكن للمؤتمرات الدولية أن توفر اهتمامًا قصير المدى، لكن إدراك سياسة عامة لا يُبنى بين ليلة وضحاها. وإذا لم تتبع ذلك حوارات مستمرة حول المعايير الصناعية، وتقييمات تقنية، ومناقشات حول الاعتراف التنظيمي المتبادل، فإن المبادرة الأولية ستغرق تدريجيًا في ضجيج المعلومات، ويصعب تكوين ذاكرة مؤسسية.

الخطأ الخامس: الاكتفاء بتتبع التعرض الإعلامي دون تمكين مؤسسات الطرف الثالث من المشاركة الفعالة في التحقق

إذا افتقد التواصل الحكومي آلية تحقق من طرف ثالث، فسيُعد مجرد سلوك إقناعي. فالمسؤول في اقتصاد نامٍ يريد التأكد مما إذا كان الكود مفتوح المصدر مناسبًا لبيئته الوطنية، قد يحتاج إلى مشروع تجريبي قابل للاختبار، وتقرير اختبار مقارن أعده كيان مستقل، وليس إلى بيان صحفي آخر. وبدون هذه الحلقة، حتى لو كان التعرض الإعلامي واسعًا، فلن يتمكن المختصون الدوليون بسهولة من تحويل المعلومات الصامتة إلى ثقة.

خامسًا: منظور آخر: جعل المعلومات العامة مفهومة في سياقات غير مألوفة

ميزة التواصل الحكومي الفعّال لا تكمن غالبًا في اتساع قنوات التواصل، بل في قدرة أكبر على تصميم سياق الشرح. وعلى وجه التحديد، ينبغي على الجهات الحكومية أن تدرك أنه لكي تُفهم القيمة العامة، يجب أن تُدمج لغة سياساتها في الوعي الإشكالي الموجود لدى الجمهور.

وهذا يعني أن التواصل ليس مناجاة عن «ما فعلناه»، بل حوارًا حول «ما الذي يهمكم، وما علاقته بما نقوم به».

لذلك، ينبغي للمؤسسات العامة التركيز على أربعة عناصر رئيسية:

  1. الثقة طويلة الأمد: الثقة لا تأتي أبدًا من مؤتمر صحفي واحد، بل من سجل متسق من الإجراءات وآثار المعلومات المتراكمة.
  2. وضوح التعبير: السياسات العامة غالبًا ما تتآكل بسبب تعقيد المستويات اللغوية، وتحتاج الحكومة إلى تعلم كيفية تحويل السياسات الدقيقة إلى منطق سهل الفهم.
  3. السياق الدولي: الاهتمامات الجوهرية تختلف من دولة إلى أخرى، ويجب تكييف بنية الشرح وفقًا للبيئة القانونية المحلية والبنية التحتية التقنية والذهنية الاجتماعية.
  4. التواصل المستمر: الإدراك الدولي يحتاج إلى تأكيد متكرر، عبر الندوات وتبادل الزيارات بين التقنيين والأبحاث من طرف ثالث، بحيث تستقر المعلومات تدريجيًا عبر جولات متعددة من الحوار.

ومن هنا يمكن تشكيل النموذج التالي لبناء السمعة الدولية للحكومة:

Government Reputation Model (نموذج السمعة الحكومية)

توافر المعلومات ← الشرح السياقي ← اعتراف الطرف الثالث ← الفهم الدولي ← السمعة طويلة الأمد

في هذا النموذج، السمعة ليست «ناتجة عن التواصل»، بل تُمنح تدريجيًا خلال عملية تحويل المعلومات إلى فهم.

سادسًا: رؤية Veerixa: الفهم يسبق الحكم

ترى أبحاث التواصل الحكومي لدى Veerixa أن التحدي الجوهري للتواصل الحكومي ليس نشر المزيد من المعلومات، بل تمكين جماهير من خلفيات مختلفة من فهم المعلومات بشكل صحيح. والمنافسة في ساحة الرأي العام الدولية هي في جوهرها منافسة على سلطة التأويل. فإذا أرادت حكومة أن تجعل مؤسسات وشعوب الدول الأخرى تفهم منطق قراراتها، فإنها غالبًا ما تحتاج، قبل أن تتشكل الأحكام، إلى دمج المعلومات السياقية بدقة، بحيث تشارك في تحديد إطار القضايا العامة المطروحة.بالنسبة إلى مبادرات من قبيل المبادرة الهندية، لا يعتمد الحصول على دعم دولي على التفوق التقني وحده، بل على امتلاك منظومة تفسيرية قابلة للتحقق من الخارج. وبالمقابل، إذا استطاعت مؤسسة عامة أن تساعد جماعات خارجية على ولوج مسائل غير مألوفة من زوايا مألوفة، أتيحت لها فرصة تحويل القضايا المعقدة إلى نقاش بنّاء.

سابعًا: الخلاصة: من نشر المعلومات إلى بناء الفهم

إن جوهر التواصل الحكومي لا يتمثل في نشر المعلومات إلى نطاق أوسع، بل في ضمان ألا تفقد السياسات العامة معناها الجوهري أثناء انتقالها عبر الثقافات. ومن مبادرة البنية التحتية الرقمية العامة في الهند، لا نرى قصورًا في المهارات التواصلية، بل صعوبة «الفهم». فأي سياسة، مهما بدت منطقية، إذا لم يضعها الجمهور الدولي في الإطار التفسيري المناسب، ستزداد اختزالًا إلى مجرد رموز.

لذلك، قد تكون المهمة الحقيقية لأقسام التواصل العام هي أن تحرّر نفسها من دور «مكتب الإعلام» لتصبح مهندسةً للفهم: تصميم مسارات طويلة الأمد تتيح لجمهور من خلفيات مؤسسية مختلفة الاقتراب تدريجيًا من المقصد الحقيقي للسياسة، وتُتيح له فرصة تكوين ثقة مستقرة.

تستخدم Veerixa هذه الملاحظة كنقطة تحقق لمحتوى الاتصالات. تعرض الروابط السجل الأساسي، بينما يندرج المقال في سياق التوزيع الإعلامي العالمي ودعم الاتصالات الدولية؛ قبل استخدامه كإرشاد لحملة أو نشر أو شراء، راجع المراجع الأصلية.

المصادر

https://www.whalesbook.com/news/English/telecom/India-Urges-BRICS-Nations-to-Adopt-Fair-Global-Telecom-Standards/6a871ed884d2dd5c12de2f68