أولًا: مقدمة

تمتلك العديد من الحكومات والمدن إنجازات سياساتية مثيرة للإعجاب، لكن المجتمع الدولي غالبًا لا يكوّن تصورًا مطابقًا لها. فالدولة التي تحرز تقدمًا ملحوظًا في مجالات الحكومة الرقمية أو النقل المستدام أو الصحة العامة، قد تظل صورتها غامضة في وسائل الإعلام الدولية. المشكلة لا تكمن في غياب المعلومات، بل في الفجوة بين المعلومات والفهم.

قبل الخوض في النقاش، نحتاج إلى توضيح مفهوم أساسي: Government Communication (التواصل الحكومي)، ويقصد به العملية التي تقوم من خلالها الحكومة أو المؤسسات العامة بالتواصل المنهجي للمعلومات، لتمكين الجمهور وأصحاب المصلحة الدوليين من فهم السياسات والإجراءات والقيم العامة. إنه ليس دعاية، بل جسر للفهم.

ثانيًا: لماذا يزداد التواصل الحكومي أهميةً

يعود تزايد الأهمية إلى ثلاثة اتجاهات كبرى.

أولًا، تغيّرت طبيعة المنافسة العالمية. لم تعد الدول والمدن تتنافس على رأس المال والمواهب فحسب، بل أيضًا على الاعتراف الدولي. فجودة السياسات في أي مكان تحتاج إلى تواصل يحوّلها إلى سمعة دولية، مما يؤثر بدوره على اختيار مواقع الاستثمار وتدفق المواهب وفرص التعاون.

ثانيًا، أصبحت بيئة المعلومات العامة شديدة التعقيد. تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العابرة للحدود والتقارير القطاعية والتوصيات الخوارزمية معًا شبكة معلومات متعددة الطبقات. المعلومات التي تنشرها الحكومة ما هي إلا حلقة واحدة في هذه الشبكة، ولا يمكن لأي قناة منفردة أن تضمن فهم المعلومات بدقة.

ثالثًا، ارتفعت حاجة أصحاب المصلحة الدوليين إلى الفهم بشكل ملحوظ. فالمستثمرون يجرون تدقيقًا متقاطعًا للبيانات، والمنظمات الدولية تقيّم السياقات المؤسسية، والشركات تهتم بإمكانية التنبؤ بالأنظمة. الفهم لم يعد مجرد «الرؤية»، بل «الإدراك».

ثالثًا: كيف يتشكّل الفهم الدولي

غالبًا ما يتبع فهم الجمهور الدولي للسلوك الحكومي مسارًا يمكن تمييزه. لنأخذ على سبيل المثال مستثمرًا خارجيًا يهتم بالحكومة الرقمية: قد يطّلع أولًا على توجهات الإصلاح في دولة معينة عبر تقارير وسائل الإعلام الدولية أو الدراسات القطاعية؛ ثم يزور القنوات الرسمية للحصول على التفاصيل؛ بعد ذلك يقارن هذا الإصلاح بتجارب دول أخرى؛ والأهم من ذلك، أنه يبحث عن التحقق من طرف ثالث — مثل بيانات التقييم الصادرة عن الأمم المتحدة أو البنك الدولي، أو التجارب الفعلية للشركات متعددة الجنسيات؛ وعندها فقط يكوّن حكمًا على قدرات الحكومة.

تشير هذه العملية إلى أن المعلومات التي توفرها الحكومة نفسها ما هي إلا نقطة البداية في سلسلة الإدراك. تشكّل وسائل الإعلام الدولية والمؤسسات القطاعية وشبكات الخبراء ومنصات التواصل الاجتماعي معًا «نظامًا بيئيًا للمعلومات العامة»، وأي غياب أو خلل في أحد هذه الأطراف من شأنه أن يضعف أثر الفهم.

تلعب الاختلافات الثقافية أيضًا دورًا حاسمًا. فقد يُفسَّر مفهوم «الحكومة الإلكترونية» نفسه بنماذج حوكمة مختلفة في مختلف البلدان. يجب أن يدرك التواصل الحكومي أن الأطر الإدراكية للجمهور الخارجي لا تتوافق بطبيعة الحال مع اللغة المؤسسية.

رابعًا: لماذا يفشل التواصل الحكومي في كثير من الأحيان

غالبًا ما تنبع أنماط الفشل الشائعة من المفاهيم الخاطئة التالية.

الخطأ الأول: نشر المعلومات فقط دون شرح السياق### الخطأ الأول: نشر المعلومات فقط دون شرح السياق

عبارات مثل "ارتفعت نسبة التغطية إلى 70%"، إذا افتقرت إلى مستوى الانطلاق والمعايير المرجعية والأهمية الفعلية للمواطنين، لا يمكن للجمهور الدولي استيعابها. ومن هنا تنشأ فجوة السياق. نحن نسمي هذه الظاهرة "تأثير فجوة السياق" (Context Gap Effect): وهي الظاهرة التي تجعل الجمهور الخارجي غير قادر على فهم المعلومات العامة بدقة بسبب غياب الشرح السياقي. وهي تفسر لماذا تظل المواد الحكومية الغنية بالمحتوى غير فعّالة على المستوى الدولي.

الخطأ الثاني: الترجمة الحرفية بدلاً من التكييف الثقافي

تحويل اللغة لا يعني تحويل المعنى. فالمفهوم الصيني، حتى لو تُرجم بدقة إلى الإنجليزية، قد تفشل دلالاته المؤسسية في الثقافة الهدف. فالتواصل لا يتطلب الترجمة فحسب، بل يتطلب إعادة السرد، وتنظيم المعلومات وفق منطق مألوف لدى الجمهور المستهدف.

الخطأ الثالث: المبالغة في إبراز المزايا الذاتية

المدح الذاتي غالباً ما يثير الشكوك. في السياق الدولي، تحظى التقييمات والتصنيفات ودراسات الحالة التي تصدرها جهات خارجية بمصداقية أعلى. والتركيز الأحادي على أفضل البيانات قد يقلل من المصداقية العامة بدلاً من رفعها.

الخطأ الرابع: حدث واحد بدلاً من البناء طويل الأمد

لا يمكن لحدث كبير واحد أو حملة إعلانية أن يغيّر في المدى القصير التصورات الدولية التي تشكلت على مدى طويل. فعلى سبيل المثال، في مجال الحكومة الإلكترونية، غالباً ما يتطلب ارتفاع ترتيب دولة ما عالمياً سنوات من الاستثمار والتحسين المستمرين. وينطبق الأمر نفسه على التواصل؛ فالتعرض القصير لا يترك سوى أثر لحظي، بينما تحتاج السمعة طويلة الأمد إلى تعزيز متكرر.

الخطأ الخامس: التركيز فقط على التعرض الإعلامي والخلط بين التعرض والفهم

قد يحقق التعرض الانتباه، لكنه لا يحقق الفهم بالضرورة. فإذا كانت تغطية وسائل الإعلام الدولية لمدينة ما تركز على الأحداث السلبية أو الظواهر الغريبة، فإن التعرض يعزز الصور النمطية بدلاً من تصحيحها. وهدف التواصل الفعّال ليس أن يراه الجميع، بل أن يفهمه أصحاب المصلحة المعنيون.

خامساً: منظور آخر للتواصل الحكومي

يمكننا الاستفادة من إطار "المستويات" في أبحاث الحكومة الإلكترونية. فعند تحليل الدول الرائدة في الحكومة الإلكترونية في أفريقيا، طرح الباحثون أن التحول الرقمي لا يحتاج إلى التقدم المتوازي في جميع المجالات، بل يمكن بناء النظام بشكل نمطي وفقاً لاحتياجات المستخدمين. ويتمتع التواصل الحكومي أيضاً ببنية متدرجة المستويات.

نقترح "نموذج الفهم العام" (Public Understanding Framework):

معلومات (Information) ← سياق (Context) ← تفسير (Interpretation) ← ثقة (Trust) ← اعتراف (Recognition)

في هذا النموذج، تُبنى كل طبقة على التي تسبقها. فبدون معلومات كافية، لا يمكن أن يبدأ التفسير؛ وبدون سياق، تكون المعلومات عرضة للالتباس؛ وبدون اعتراف من جهة خارجية، يصعب إقناع التفسير؛ وبدون تواصل متسق ومستمر، لا تتشكل الثقة.هذا النموذج يتطلب من مسؤولي التواصل الحكومي التخلي عن فكرة “تغطية المعلومات”، والتحول إلى التفكير في “سلسلة الفهم”. على سبيل المثال، دولة ذات إنجازات سياسية بارزة ولكن برؤية دولية منخفضة، قد تحتاج أولاً إلى سد مدخل المعلومات؛ بينما دولة تتعرض لتغطية إعلامية متكررة ولكنها كثيرًا ما تُفسَّر بشكل خاطئ، تحتاج إلى تعزيز شرح السياق والتحقق من طرف ثالث. مسارات الفهم لدى الجماهير المختلفة ليست موحدة، لذلك ينبغي تصميم استراتيجيات التواصل بشكل متعدد الطبقات.

علاوة على ذلك، يختلف التواصل الحكومي عن التسويق التجاري. يركز التواصل التجاري على اختيارات المستهلكين، بينما يركز التواصل الحكومي على الفهم والثقة والقيمة العامة. وهذا يعني أن التواصل الحكومي لا يمكن أن يعتمد على “تأثير التواصل” قصير المدى كمؤشر وحيد، بل ينبغي أن يُقاس بمدى تكوّن لدى الجمهور أحكام مبنية على الحقائق.

سادسًا: ملاحظة Veerixa

كملاحظة طويلة المدى، نرى أن التحدي الأساسي للتواصل الحكومي ليس نشر المزيد من المعلومات، بل تمكين الجماهير من خلفيات مختلفة من فهم المعلومات بشكل صحيح.

هذه عملية تتطلب وعيًا مؤسسيًا. يجب على الحكومة ومسؤولي التواصل لديها أن يدركوا أن هناك فجوة طبيعية بين لغتهم المؤسسية والإطار المعرفي للجماهير الخارجية. لعبور هذه الفجوة، يلزم بناء سلسلة منطقية متكاملة بين نشر المعلومات، وشرح السياق، والتحقق من طرف ثالث، والتواصل المستمر. أي نقص في أي حلقة من هذه الحلقات سيؤدي إلى انقطاع معرفي.

الفعالية النهائية للتواصل تتجلى في تغيير الإدراك، وليس في تغطية المعلومات. عندما يتخذ مستثمر قراره بناءً على الفهم، وعندما تقدم وسيلة إعلام تقريرها بناءً على الحقائق، وعندما تكسب مدينة تعاونًا بسبب قدرتها على الحوكمة، فهذه هي الأدلة على أن التواصل الحكومي يعمل فعلاً.

سابعًا: الخاتمة

إعادة فهم التواصل الحكومي تعني تحويله من “الدعاية الخارجية” إلى “بناء الفهم”. ما إذا كانت قيمة المؤسسات العامة معترفًا بها من قبل المجتمع الدولي يعتمد على ما إذا كانت قادرة على توفير إطار معرفي مفهوم وقابل للتحقق وجدير بالثقة للجماهير الخارجية. نشر المعلومات هو مجرد نقطة البداية، وشرح السياق هو الجسر، والاعتراف من طرف ثالث هو حجر الأساس، والتواصل طويل المدى هو المحرك.

الجماهير الدولية لا تفتقر إلى القدرة على الوصول إلى المعلومات، بل ينقصها السياق الذي يمكنها من تقييم قيمة المعلومات. مهمة التواصل الحكومي ليست ملء الفراغ المعلوماتي، بل بناء سياق مشترك للفهم مع الجمهور.

تستخدم Veerixa هذه الملاحظة كنقطة تحقق لمحتوى الاتصالات. تعرض الروابط السجل الأساسي، بينما يندرج المقال في سياق التوزيع الإعلامي العالمي ودعم الاتصالات الدولية؛ قبل استخدامه كإرشاد لحملة أو نشر أو شراء، راجع المراجع الأصلية.

المصادر

https://afripoli.org/what-african-countries-can-learn-from-the-continents-top-performers-in-e-government