أولاً، خلفية الاتجاه: ماذا حدث؟
يُظهر تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 أن استهلاك الأخبار على مستوى العالم يشهد منعطفًا تاريخيًا: ففي 48 سوقًا شملها الاستطلاع، تجاوزت الشبكات الاجتماعية وشبكات الفيديو لأول مرة المواقع والتطبيقات المملوكة للمؤسسات الإخبارية، لتصبح المصادر الأكثر استخدامًا للأخبار عبر الإنترنت، بنسبة استخدام 54% و51% على التوالي. هذا التغيير ليس ظاهرة محصورة في فئة معينة، بل يحدث في جميع الفئات العمرية، مما يعني أن التحول إلى المنصات لم يعد مسارًا هامشيًا، بل أصبح قناة رئيسية.
في الوقت نفسه، يستخدم حوالي 10% من المستطلعين روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار، بزيادة من 7% في العام السابق، وترتفع هذه النسبة إلى 16% بين من هم دون 35 عامًا. ولأول مرة يشهد معدل استهلاك فيديوهات الأخبار أسبوعيًا أغلبية في جميع الأسواق الـ48 (77%)، حيث تجاوز استهلاك أخبار الفيديو عبر الإنترنت استهلاك الأخبار التلفزيونية في 45 سوقًا. ويشير التقرير أيضًا إلى أن نسبة الأشخاص المهتمين بالأخبار «بشدة» أو «بشكل كبير» انخفضت في المتوسط بمقدار 13 نقطة مئوية منذ عام 2021، وأن ربع المستطلعين أصبحوا «مستخدمي أخبار سلبيين»، يستهلكون الأخبار عادة مرة واحدة فقط في الأسبوع مع انخفاض مستوى الاهتمام.
تشير هذه البيانات إلى حقيقة أساسية: طريقة حصول الناس على الأخبار تتحول من «الزيارة النشطة للمصادر الموثوقة» إلى «التعرض السلبي عبر المنصات والخوارزميات». بالنسبة للتواصل المؤسسي، فإن هذا يمثل بيئة تحتاج إلى إعادة فهم.
ثانيًا، لماذا يظهر هذا الاتجاه؟
الدافع التكنولوجي: أدى انتشار الأجهزة المحمولة والإنترنت عالي السرعة إلى خفض التكلفة الحدية للوصول إلى المعلومات إلى أدنى مستوى، كما أدت خوارزميات التوصية في المنصات وروبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي إلى تقليص رغبة المستخدمين في البحث النشط عن المعلومات. وعندما يتحول الاشتراك أو البحث إلى «دفع خوارزمي» و«استفسارات حوارية»، تتغير طريقة اكتشاف المعلومات بشكل جذري. يقدّر مستخدمو روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي بشكل خاص القدرة على «طرح أسئلة متابعة»؛ إذ يُشير التقرير إلى أن 42% من المستخدمين يعتبرون أن «القدرة على طرح أسئلة متابعة» هي الميزة الأكثر تفضيلاً لديهم عند استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار. وهذا يعني أن ما يتوقعه المستخدمون ليس استلامًا لمرة واحدة للمعلومات، بل تفاعلاً ديناميكيًا مع مصدر المعلومات.
الدافع المرتبط بالمستخدم: في ظل الحمل الزائد للمعلومات وانتشار مشاعر تجنب الأخبار، يعتمد المستخدمون بشكل متزايد على صناع المحتوى ومقاطع الفيديو في الشبكات الاجتماعية لتبسيط معالجة المعلومات. يُظهر التقرير أن حوالي ربع المستخدمين يحصلون على الأخبار من صناع محتوى إخباريين، الذين يُعتبرون «أكثر ترفيهًا وأسهل فهمًا وأقرب إلى الجمهور». وهذا ليس مجرد تغير في تفضيلات المحتوى، بل هو تحول في آلية الثقة. وفي الوقت نفسه، انخفضت الثقة العامة في الأخبار إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2015 (37%)، وارتفعت نسبة القلق بشأن الأخبار الكاذبة إلى 62%. وفي مواجهة بيئة معلوماتية غير مؤكدة، يميل المستخدمون أكثر إلى الاعتماد على مصادر فردية يشعرون أنها «حقيقية».محرك الصناعة:تراجعت مصداقية وسائل الإعلام التقليدية، وضعفت صلتها المباشرة بالمستخدمين. وانخفض استخدام المواقع والتطبيقات الخاصة بالمؤسسات الإخبارية، مما اضطرها إلى تسريع توزيع المحتوى عبر المنصات، وهو ما عزز بدوره أهمية هذه المنصات. ويُظهر التقرير أن استهلاك الفيديو على المواقع والتطبيقات الخاصة بالمؤسسات الإخبارية انخفض بمقدار 5 نقاط مئوية، بينما يتزايد استهلاك الفيديو على منصات الطرف الثالث. وهذه الحلقة تجعل المنصات طبقة وسيطة يصعب تجاوزها بشكل متزايد.
ثالثًا، ما الذي تغيّر فعلًا؟
في الظاهر هو تغيّر قنوات استهلاك الأخبار، لكن في الجوهر هو تحوّل بنيوي في آلية تشكّل رؤية المعلومات وبناء الثقة.
كان توزيع المعلومات في الماضي يُلخَّص في عملية خطية: "تحقق وسائل الإعلام - إدراك العلامة التجارية - ذاكرة المستخدم". كانت الشركات تحصل على تأييد طرف ثالث عبر البيانات الصحفية والعلاقات الإعلامية، ثم تنقل المعلومات إلى الجمهور المستهدف. وكانت نقطة نهاية النشاط الاتصالي هي "النشر" و"الظهور".
الآن، نشر المعلومات هو مجرد نقطة البداية. يجب أن تدخل المعلومات في نقاشات وسائل التواصل الاجتماعي، وخلاصات التوصية على منصات الفيديو، وبيانات التدريب ومصادر الاقتباس لروبوتات الدردشة الذكية. لم يعد جمهور الاتصال مجرد "أشخاص"، بل يشمل أيضًا الخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي. يواجه الاتصال المؤسسي اليوم نظامًا بيئيًا معقدًا تتشكله المنصات والمنشئون ومحركات البحث ونماذج الذكاء الاصطناعي معًا.
يمكننا تسمية هذا التغيير "نموذج هجرة رؤية المعلومات":
自有渠道分发 → 社交媒体传播 → 视频网络推荐 → AI对话式引用 → 认知形成
في الماضي، كانت الشركات قادرة على ضمان رؤية معلوماتها عبر التحكم في مواقعها وتطبيقاتها الخاصة؛ أما اليوم، فأصبحت رؤية المعلومات تعتمد بشكل متزايد على منطق التوصية في منصات الطرف الثالث وعلى فهم واقتباس أنظمة الذكاء الاصطناعي. لم يعد الأمر يدور حول "ما نشرناه"، بل حول "بأي طريق وفي أي سياق يصل إلينا المستخدم".
يتحول تشكيل الثقة أيضًا. في النموذج التقليدي، جاءت الثقة من سمعة العلامة التجارية نفسها ومن التغطية الإعلامية المحايدة. أما في النظام البيئي للمنصات، فإن تقييم المستخدمين لمصدر المعلومات الجديد يعتمد بشكل متزايد على "صدق شخصية المنشئ" و"سبب توصية المنصة". ويُظهر التقرير أن المستخدمين يرون المنشئين أكثر "صدقًا" و"قربًا إلى الجمهور"، على الرغم من أن تقييماتهم للجديرة بالثقة والحياد كانت منخفضة. وهذا يشير إلى أن آلية الثقة تنتقل من "التأييد السلطوي" إلى "التحقق عبر عقد متعددة" — إذ يجمع المستخدمون بين معلومات العلامة التجارية الذاتية، ونقاشات وسائل التواصل الاجتماعي، وشروحات الفيديو، ونتائج الأسئلة والأجوبة بالذكاء الاصطناعي لتكوين حكمهم. نسمي هذا "هجرة طبقة الثقة".
رابعًا، ماذا يعني هذا الاتجاه؟
فرق الاتصال المؤسسي: يجب أن ينتقل تركيز الاتصال المؤسسي من "نشر المحتوى" إلى "ضمان فهم المحتوى واقتباسه والتوصية به بشكل صحيح". ويتضمن ذلك جانبين: الأول هو هيكلة المحتوى بحيث يمكن لمحركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي تحليل معلومات الشركة بكفاءة؛ والثاني هو نظام قياس فعالية الاتصال، بالانتقال من "كمية الظهور" إلى "درجة الرؤية في النظام البيئي" و"إيجابية أو سلبية الاقتباسات". تحتاج العلامات التجارية إلى مراقبة مستمرة لظهورها في نقاشات وسائل التواصل الاجتماعي، وتوصيات منصات الفيديو، وإجابات الذكاء الاصطناعي.قطاع العلاقات العامة: لا تزال العلاقات الإعلامية التقليدية أساسًا، لكنها لم تعد كافية. تحتاج وكالات العلاقات العامة إلى تطوير قدرات "العلاقات الخوارزمية" و"الظهور في الذكاء الاصطناعي"، أي فهم منطق التوصيات في كل منصة، وآليات التعاون مع صناع المحتوى، وطريقة تشكل بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي. وستستمر أهمية المعلومات الموثوقة من أطراف ثالثة في الارتفاع، لأن الخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي تفضل عند جمع المعلومات المصادر الموثوقة والموثقة.
المؤسسات الإعلامية: انخفض الوصول المباشر للمؤسسات الإخبارية، لكن التقارير عالية الجودة لا تزال قادرة على الانتشار عبر الفيديو والبودكاست والتعاون مع صناع المحتوى. وهذا يتطلب من المؤسسات الإعلامية التحول من "جهات منتجة للمحتوى" إلى "مشاركين في النظام البيئي للمحتوى"، مع إيلاء أهمية أكبر لبناء الثقة المباشرة مع الجمهور لمواجهة "التعب الإخباري" الناجم عن المنصات. وتُظهر الحالة الواردة في التقرير حول "تعاون صناع المحتوى مع المؤسسات الإخبارية" أن الطرفين ليسا في لعبة صفرية، بل يمكن أن يكونا متكاملين.
مديرو العلامات التجارية: لم تعد سمعة العلامة التجارية تُبنى من خلال حملة تواصل واحدة كبرى، بل تعتمد على تراكم معلومات طويل الأمد ومتعدد نقاط الاتصال وقابل للتحقق. وسيصبح الحفاظ على سردية علامة تجارية متسقة وقابلة للتحقق في استفسارات الذكاء الاصطناعي، والبحث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتوصيات الفيديو، ميزة تنافسية جديدة. وفي الوقت نفسه، تحتاج العلامات التجارية إلى الصبر لتحمل التقلبات قصيرة المدى، لأن تكوين التصورات عملية تدريجية.
فرق الأعمال الدولية: أصبح التواصل عبر الأسواق أكثر تعقيدًا. وتختلف النظم البيئية للمنصات، ودرجة تبني الذكاء الاصطناعي، ومستويات الثقة بشكل كبير بين الأسواق. على سبيل المثال، تضاعف معدل استخدام روبوتات الدردشة الذكية للأخبار في كوريا الجنوبية واليونان وإسبانيا، بينما لم تشهد أسواق مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة نموًا ملحوظًا. تحتاج الشركات إلى وضع استراتيجيات متميزة لظهور المعلومات لكل سوق بدلاً من حل موحد عالميًا.
خامسًا: إشارات تستحق المراقبة في المستقبل
-
تكوين مصادر الاستشهاد في الذكاء الاصطناعي: في السنوات القادمة، راقب تكرار الاستشهاد بمعلومات العلامة التجارية وتوزيع مصادرها في ردود روبوتات الدردشة الرئيسية. وإذا تركزت الاستشهادات تدريجيًا في عدد قليل من المحتويات عالية الوزن، فستتسع فجوة "الظهور في الذكاء الاصطناعي" لدى الشركات.
-
تغير حركة المرور على القنوات الخاصة: يمكن اعتبار سرعة انخفاض معدل استخدام المواقع والتطبيقات الخاصة بالمؤسسات الإخبارية إشارة على انتقال المستخدمين إلى المنصات. وتتعرض حركة المرور على مواقع الشركات وحساباتها الرسمية أيضًا للضغط وفق المنطق نفسه، ويجب متابعتها باستمرار.
-
مصداقية التعاون بين صناع المحتوى والعلامات التجارية: مع تحول صناع المحتوى إلى جزء من النظام البيئي الإخباري، فإن القيمة المعلوماتية للتعاون بين العلامات التجارية وصناع المحتوى لن تعتمد فقط على عدد المتابعين، بل أيضًا على قدرة صناع المحتوى على التحرير المستقل وثقة الجمهور بهم.
-
صعود الفيديو القصير والبحث عبر الفيديو: يُظهر التقرير أن نمو استهلاك الفيديو جاء بالكامل من منصات الطرف الثالث، بينما انخفض استهلاك الفيديو على المواقع الخاصة. تحتاج الشركات إلى الاهتمام بكيفية البحث عن محتوى الفيديو والتوصية به على منصات مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام.
-
موقف المستخدمين من الأخبار عبر الذكاء الاصطناعي: لا تزال نسبة استخدام روبوتات الدردشة الذكية للأخبار في نمو، لكن بوتيرة غير متساوية. يجب مراقبة السيناريوهات التي تدفع الأشخاص إلى اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي بدلاً من وسائل الإعلام التقليدية، وكذلك التغيرات في ثقة المستخدمين بمعلومات الذكاء الاصطناعي.
سادسًا: ملاحظات Veerixaأكبر تغيير في بيئة التواصل ليس زيادة القنوات، بل أن المعلومات تحتاج إلى التكيف في آن واحد مع البشر وأنظمة البحث وآليات فهم الذكاء الاصطناعي. في الماضي، كانت القدرة التنافسية الأساسية للتواصل هي «جذب الانتباه»؛ أما في المستقبل، فهي «الحفاظ على المصداقية في نظام بيئي معقد» و«أن يُشار إلى المعلومات من قبل أطراف متعددة». المشكلة التي تواجه التواصل المؤسسي لم تعد كيفية «إرسال» المعلومات، بل كيفية جعل المعلومات تقدم صورة متسقة وقابلة للتحقق سواء في وسائل الإعلام التقليدية أو منصات التواصل الاجتماعي أو إجابات الذكاء الاصطناعي.
٧. الخاتمة
إن تحول استهلاك المعلومات إلى المنصات ووساطة الذكاء الاصطناعي ليس مجرد ترقية تقنية لمرة واحدة، بل هو انتقال هيكلي مستمر. بالنسبة للمشتغلين بالتواصل المؤسسي، فإن فهم هذا الانتقال ليس فقط من أجل التكيف مع التغيير، بل من أجل إيجاد مرتكزات جديدة للقيمة في خضم التغيير. ربما يقوم منطق التواصل المستقبلي على حقيقة مفادها: عندما تكون المعلومات في كل مكان، فإن ما يندر حقًا هو الإدراك الموثوق الذي تم التحقق منه.