الوسيط الخوارزمي وإعادة بناء شرعية الإعلام: تغيّر منهجي في الإنتاج الإخباري العالمي

1. الملخص التنفيذي

  • أصبحت الخوارزميات وسيطًا بنيويًا في الإنتاج الإخباري. الخوارزميات ليست مجرد أدوات توزيع، بل تتدخل في سلسلة كاملة من اختيار الموضوعات، والتعبير، والتقييم، وتكوين الثقة، وتغيّر القواعد الأساسية التي يعمل بها قطاع الصحافة.
  • "القابلية للمشاركة" تحل محل "القيمة الإخبارية" كمنطق فرزٍ أساسي. يُظهر الاستعراض المنهجي أن آليات التوصية القائمة على تحسين التفاعل تنحاز بشكل منهجي نحو المحتوى العاطفي والمستقطب.
  • تمتلك غرف التحرير "فاعليةً محدودة". المؤسسات الإخبارية لا تتقبل قواعد الخوارزميات بشكل سلبي، بل تتفاوض استراتيجيًا بين الأخلاقيات المهنية ومنطق المنصات، لكن هذا التفاوض يخضع لسلطة المنصات البنيوية وضغوطها التجارية الخاصة.
  • تتجه شرعية الإعلام إلى الاعتماد على شفافية الخوارزميات. تشير الأدلة البحثية إلى أن آليات التوصية غير الشفافة تقلل ثقة الجمهور، بينما يمكن للآليات الشفافة إصلاح الثقة جزئيًا. أساس الشرعية يتحول من "السلطة المؤسسية" إلى "القابلية للتفسير النظامية".
  • المنصات لا تعني عملية تجانس. في مختلف المناطق والبيئات المؤسسية، تشكّل المنطق الخوارزمي والتقاليد الإخبارية أطر شرعية متمايزة، ويشهد المشهد الاتصالي العالمي "تقاربًا مع وجود فروق".

2. الخلفية البحثية

على مدى العقد الماضي، لم يكن التغيير الجوهري في نظام الاتصال الإخباري هو زيادة عدد القنوات، بل تحوّل سلطة توزيع الرؤية الإعلامية. تطورت منصات مثل فيسبوك، وX (تويتر سابقًا)، ويوتيوب، وتيك توك من مجرد قنوات توزيع إلى "بنية تحتية" للإنتاج الإخباري: فهي تحدد أي المعلومات تُرى، ومن يراها، وبأي سرعة تُرى.

يطرح هذا التحول سؤالًا بحثيًا محوريًا: عندما تبدأ الخوارزميات في ممارسة وظيفة "حارس البوابة" الفعلية، هل تُعاد صياغة المعايير المهنية للصحافة ووظيفتها العامة وأساس شرعيتها؟

يقدّم الاستعراض المنهجي الذي نُشر في أكتوبر 2025 في دورية Frontiers in Communication خريطة أدلة شاملة نسبيًا حتى الآن لهذه المسألة. يتبع هذا الاستعراض إرشادات PRISMA 2020، ويدرس الدراسات التجريبية المفهرسة في قاعدتي Scopus وWeb of Science بين عامي 2015 و2025، ويشمل في النهاية 78 دراسة تغطي مناطق متعددة بما في ذلك أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا، ويستخلص من خلال التحليل الموضوعي المختلط التأثيرات متعددة الأبعاد للخوارزميات على الإنتاج الإخباري وشرعية الإعلام. يعتمد هذا التقرير على تلك النتائج، ويضعها في سياق التحولات الأوسع لنظام الاتصال للتحليل.

3. المشهد الاتصالي الحالي

يشهد بيئة الاتصال العالمية حاليًا ثلاثة تغييرات بنيوية متراكبة:

**أولاً، تراجع نمط التوزيع المركزي.أولاً، تراجع نمط التوزيع المركزي. لقد تم كسر الاحتكار الذي كانت تمارسه وسائل الإعلام التقليدية كبوابة للمعلومات. تحولت مسارات حصول المستخدمين على الأخبار من الصحف والتلفزيون إلى خلاصات وسائل التواصل الاجتماعي وقوائم التوصيات وواجهات البحث. لا تحدد آليات الخوارزميات ترتيب عرض المحتوى فحسب، بل تؤثر أيضًا على الأطر السردية وضبط المواضيع.

ثانيًا، أصبحت منطق المنصات بمثابة قواعد نحوية عابرة للمناطق. رغم اختلاف التفاصيل التقنية بين المنصات المختلفة، إلا أن القاسم المشترك بينها هو مبدأ "تحسين التفاعل". إن مدى التوصية بمقال ما يعتمد على قدرته على إثارة إشارات سلوكية مثل الإعجابات والتعليقات والمشاركات في وقت قصير، وليس على أهميته الاجتماعية.

ثالثًا، انفصال الظهور عن المصداقية. في أنماط التواصل التقليدية، كانت الرؤية العالية تعني عادة سلطة عالية. لكن في بيئة تقودها الخوارزميات، قد تنبع الرؤية العالية من عناوين مثيرة للاهتمام، أو مقاطع مقتطعة من سياقها، أو معلومات كاذبة تُنشر بشكل مجهول. هذا الانفصال يؤدي إلى انخفاض عام في ثقة المستخدمين ببيئة المعلومات بأكملها.

4. النتائج الرئيسية

4.1 إعادة تشكيل القيمة الإخبارية إلى "قيمة قابلة للمشاركة"

الظاهرة: يظهر مفهوم جديد بشكل متكرر في الأدبيات البحثية — "shareworthiness" (القابلية للمشاركة). تعمل الخوارزميات على تضخيم المحتوى القادر على إثارة ردود فعل عاطفية قوية بشكل تفضيلي، في حين يتم تهميش أهمية الأخبار ودقتها وصفاتها المتعلقة بالمصلحة العامة.

السبب: يتمثل جوهر نموذج أعمال المنصات في تحويل انتباه المستخدمين إلى إيرادات إعلانية. ولهذا أصبحت مقاييس التفاعل الإشارة الأساسية التي تعتمدها الخوارزميات لفلترة المحتوى. هذه الآلية لا تستهدف وسيلة إعلامية معينة، بل إنها مدمجة في البنية الأساسية لأنظمة التوصية.

الأثر: يلجأ محررو الأخبار إلى تلبية تفضيلات المنصات عند اختيار المواضيع. يتم تهميش "الأخبار البطيئة" مثل التقارير الاستقصائية وقضايا السياسات المعقدة، بينما تحصل المحتويات التي تنطوي على صدمة أخلاقية، أو سياسات هووية، أو صراعات درامية على أولوية أعلى في الانتشار. هذا لا يغير فقط البنية المحتوى لوسيلة إعلامية واحدة، بل يعيد أيضًا ترتيب الأولويات في القضايا العامة للمجتمع ككل.

4.2 غرف الأخبار تُظهر "قدرة محدودة على التصرف"

الظاهرة: لا تقبل المؤسسات الإخبارية قواعد الخوارزميات بشكل سلبي. تُظهر المراجعات أنها طوّرت فرقًا للبيانات، وأدوات لتحليل الجمهور، واستراتيجيات نشر عبر المنصات، في محاولة للاستفادة من الخوارزميات بشكل نشط.

السبب: تتعرض غرف الأخبار لشدّ من قوتين في الوقت نفسه: أولاهما قدرة الوصول إلى الجمهور التي توفرها المنصات، وثانيتهما قيود أخلاقيات المهنة الصحفية. تحاول المؤسسات الإعلامية إيجاد توازن بينهما.

الأثر: لم يتم القضاء على استقلالية التحرير بشكل كامل، لكنها أصبحت محصورة في "النطاق الذي تسمح به الخوارزميات". والأهم من ذلك، رصدت الدراسات ظهور ظاهرة الرقابة الذاتية — حيث يحكم بعض الصحفيين مسبقًا أن الخوارزميات "لا تفضّل" محتوى معينًا، فيتجنبون عمدًا معالجة قضايا قد تكون مثيرة للجدل ولكنها ذات قيمة عامة. هذه الرقابة الذاتية لا تنبع من سيطرة خارجية، بل من توقعات داخلية لآليات التوزيع.

4.3 شرعية الإعلام تعتمد على شفافية الخوارزمياتالظاهرة: يعزو المستخدمون عدم شفافية التوصيات الخوارزمية إلى الوسيلة الإعلامية نفسها. فعندما لا يستطيع الجمهور فهم سبب رؤيته لخبر معين، غالبًا ما يشك في وجود تلاعب خفي — سواء كان تحيزًا خوارزميًا أو إدراجًا تجاريًا أو ضغوطًا سياسية.

السبب: تستند الشرعية إلى التنبؤ والتفسير. إذا كان السبب وراء دفع معلومة معينة إلى المستخدم غير قابل للتفسير، فإن ثقة المستخدم في مصدر المعلومات وفي المنصة ككل ستنخفض. وتشير أدلة المراجعة إلى أن آليات التوصية الشفافة (مثل عرض أسباب التوصية والكشف عن منطق التصفية) يمكن أن تخفف هذا الانعدام للثقة إلى حد ما.

الأثر: لم تعد شرعية الوسيلة الإعلامية مجرد إنجاز مهني للمؤسسات الإخبارية، بل أصبحت خاصية تعتمد على التكنولوجيا. وستعتمد مصداقية المؤسسات الإخبارية في المستقبل جزئيًا على قدرتها على شرح منطق توزيع الظهور الخاص بها للجمهور بوضوح.

4.4 ظهور تعارض بنيوي بين الانتشار الفيروسي وجودة المعلومات

الظاهرة: هدف تحسين الخوارزميات هو كفاءة الانتشار، وليس جودة المعلومات. فالمعلومات الكاذبة والمحتوى الاستقطابي يتمتعان بميزة طبيعية في التوصيات الخوارزمية لأنهما يثيران استجابات عاطفية وسلوكية أقوى بسهولة أكبر.

السبب: هذه نتيجة حتمية لتصميم المؤشرات، وليست نقصًا في الأخلاق الفردية. أي نظام يعتمد "المشاركة" كهدف للتحسين سينحاز بشكل منهجي إلى المحتوى المتطرف والمبسّط والعاطفي.

الأثر: قد تصبح الوسائل الإعلامية مضخمًا للمعلومات الكاذبة في معركتها لجذب الانتباه. حتى لو استمرت غرف الأخبار في التمسك بالتحقق من الحقائق، فطالما كان جانب التوزيع مهيمنًا عليه خوارزميات المشاركة، فقد ينحرف التأثير النهائي لانتشار المحتوى عن النية المهنية. سيستمر هذا التناقض في تآكل أصول مصداقية الوسائل الإعلامية.

4.5 تباين إقليمي في إعادة بناء الشرعية

الظاهرة: تظهر الدراسات التي شملتها المراجعة أن منطقة أمريكا الشمالية تتسم بشكل أساسي بالاستقطاب الأيديولوجي وتراجع الثقة في وسائل الإعلام؛ بينما تظهر أوروبا شكلًا من اختلاط المنطق المنصّاتي بتقليد البث العام؛ أما آسيا فتشهد مسارات أكثر تنوعًا — حيث تُظهر دراسات كوريا والصين كيف تم دمج الخوارزميات في أنظمة الاتصال الوطنية، بينما طوّرت الصحافة الهندية استراتيجيات أكثر تكيفًا في بيئة رقمية حرة نسبيًا.

السبب: عندما يدخل المنطق الخوارزمي بيئات مؤسسية مختلفة، فإنه يخضع لعملية "إعادة تمركز" مع البنى السياسية المحلية وثقافات الأخبار والبنية التحتية التكنولوجية. المنطق المنصّاتي لا يستوعب جميع المناطق في اتجاه واحد، بل ينتج احتكاكًا إبداعيًا مع القيود المحلية.

الأثر: لا يمكن لحوكمة الاتصال العالمية أن تعتمد على حل واحد. أزمات شرعية وسائل الإعلام في مناطق مختلفة متشابهة في المظهر، لكن جذورها مختلفة: بعضها ناتج عن ضغوط تجارية، وبعضها عن سيطرة سياسية، وبعضها عن انهيار الثقة.

5. التحليل البنيوي

لماذا تستطيع الخوارزميات تغيير شرعية وسائل الإعلام بهذا العمق؟ هذه ليست نتيجة تغيير تكنولوجي واحد، بل نتيجة تفاعل ست قوى: التكنولوجيا، والمنصات، والمستخدمون، ونماذج الأعمال، والتنظيم، والحوكمة.

العوامل التكنولوجية### العوامل التقنية

لقد تطورت أنظمة التوصية من ترتيب "الأكثر رواجًا" إلى أنظمة تنبؤ مخصصة قائمة على التعلم العميق. وهي ليست قنوات محايدة، بل آليات توزيع تحمل في داخلها أحكامًا قيمية. وعندما يضبط التصميم التقني "التفاعل" كبديل افتراضي عن "جودة المحتوى"، يبدأ التشويه البنيوي من هنا.

العوامل المتعلقة بالمنصات

تمتلك شركات المنصات البيانات والواجهات وقواعد توزيع الزيارات. وإن عدم التماثل البنيوي في العلاقة بين المؤسسات الإخبارية والمنصات يجعل من الصعب عليها التأثير بشكل جوهري في قرارات المنصات. وعادة ما تكون وعود الشفافية التي تقدمها المنصات استجابة سلبية للضغوط العامة، وليست تنازلاً مؤسسيًا عن السلطة.

سلوك المستخدمين

يستهلك مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي المعلومات أثناء التصفح السريع، ونادرًا ما يتحققون من المصادر بأنفسهم. وهذا النمط السلوكي منخفض التفاعل تلتقطه الخوارزميات وتضخّمه، مما يدفع بدوره محتوى المنصات إلى مزيد من التوجه العاطفي والقالبي.

نموذج العمل

تتزايد اعتماد الإيرادات الرقمية للمؤسسات الإخبارية على زيارات المنصات، وهذا النموذج الإيرادي يدمج "تحقيق الدخل من الانتباه" في عملية التحرير. وعندما تتزامن تفضيلات الخوارزميات مع الضغوط المالية، تتراجع قدرة الصحافة على مقاومة العقلانية الأداتية بشكل كبير.

التغير التنظيمي

أدى التسارع في التحول الرقمي إلى ظهور أدوار جديدة مثل "محرر البيانات". وعندما يشارك محللو البيانات ومحررو النصوص معًا في اجتماعات اختيار الموضوعات، لم يعد الحكم الصحفي حكمًا مهنيًا بحتًا، بل أصبح نتاجًا هجينًا يجمع بين المنطق المهني والمنطق التقني.

الحوكمة والتنظيم

بدأت تشريعات مثل "قانون الخدمات الرقمية" الأوروبي تطالب المنصات بالكشف عن منطق الخوارزميات، لكن وتيرة الحوكمة أبطأ بوضوح من التطور التقني. وتقوم المساءلة الحالية على المراجعة اللاحقة بشكل أساسي، وتفتقر إلى تصميم مسبق للمسؤولية العامة.

نموذج توسط الشرعية

بناءً على الأدلة المذكورة أعلاه، نقترح إطارًا تحليليًا أصيلًا هو "نموذج توسط الشرعية" (Legitimacy Mediation Model)، لوصف تطور شرعية وسائل الإعلام:

المرحلة 1: شرعية السلطة المؤسسية (Broadcast Legitimacy). تُنشر المعلومات من قبل المؤسسات بشكل نشط، وتستمد الشرعية من الانضباط الذاتي التحريري والمعايير المهنية والمكانة الحصرية لوسائل الإعلام الجماهيرية في التوزيع.

المرحلة 2: شرعية الظهور الخوارزمي (Algorithmic Visibility). تتجلى الشرعية أولًا في الظهور الذي توزعه الخوارزميات بناءً على إشارات التفاعل. وتنتقل سلطة تعريف الشرعية من المؤسسات إلى المنصات.

المرحلة 3: الشرعية التفاوضية (Negotiated Legitimacy). مع زيادة الشفافية وتدخل الجهات التنظيمية، تتشكل الشرعية عبر التفاوض المشترك بين منطق المنصات والمنطق المهني وردود فعل الجمهور. والشرعية ليست خاصية ثابتة، بل عملية تفاوض مستمرة.

يوضح هذا النموذج أن ما نعيشه ليس مجرد تغير في أشكال الإعلام، بل هو إعادة بناء منهجية لكيفية "إنتاج الشرعية".

من منظور تدفق المعلومات، كان النموذج التقليدي:

إنتاج المعلومات ← غربلة المحررين ← الاتصال الجماهيري ← استقبال الجمهور

أما النموذج الحالي فيصبح:إنتاج المعلومات ← توقع التفاعل ← توزيع خوارزمي ← تغذية راجعة لسلوك المستخدم ← إعادة التحسين ← تراكم الرؤية

في هذا المسار الثاني، تصبح الخوارزمية وسيطًا للتحقق من المعلومات وتشكيل المعنى. لم يعد تشكيل شرعية الوسائط يعتمد على "إثبات من قبل المؤسسات المهنية"، بل على "الاستشهاد المستمر والتضخيم من قبل الخوارزمية".هذا التغيير لن يتطور في اتجاه واحد. ستستمر الظروف المؤسسية وهياكل السوق في مختلف المناطق في تشكيل أطر مشروعية متمايزة. بالنسبة لبحوث الاتصال، ليس السؤال الحقيقي هو “هل أثرت الخوارزميات على وسائل الإعلام؟”، بل “هل يمكننا تصميم آلية توزيع تحترم جودة المعلومات وتسمح في الوقت نفسه بفعالية النشر؟”. ستحدد الإجابة على هذا السؤال إلى حد كبير الشكل الأساسي للنظام البيئي للمعلومات العامة العالمية في المستقبل.

تستخدم Veerixa هذه الملاحظة كنقطة تحقق لمحتوى الاتصالات. تعرض الروابط السجل الأساسي، بينما يندرج المقال في سياق التوزيع الإعلامي العالمي ودعم الاتصالات الدولية؛ قبل استخدامه كإرشاد لحملة أو نشر أو شراء، راجع المراجع الأصلية.

المصادر

https://www.frontiersin.org/journals/communication/articles/10.3389/fcomm.2025.1667471/full